أخبار عاجلة
الرئيسية / برامج أسبوعية / الحـقــيقة الضــــائعة / الملك المنصور بنى قصر البديع فسقطت الدولة السعدية
الملك المنصور بنى قصر البديع  فسقطت الدولة السعدية

الملك المنصور بنى قصر البديع فسقطت الدولة السعدية

 

لم يدرك هؤلاء المكلفون في مجلس الحسابات، ذلك المستوى من فهم الشعب الذي لا يفهم شيئا في الحسابات بل هو شعب لا ينظر إلا إلى القصور التي بناها العمال والولاة السابقون، والذين كانوا أيام وزيرهم القوي إدريس البصري، أقوى منه عندما يغيب، ذلك الزمن الذي كان فيه الولاة يختارون نواب البرلمان، ويوجهون حملات الانتخابات، لدعم الأصدقاء الذين يسارعون إلى رد الجميل إلى العامل والوالي(…)، الذي كان ولي(…) نعمتهم.

العجيب أن ظاهرة طغيان الولاة والعمال، وقد انحسرت قليلا(…) هذه الأيام، والحق يقال، أن نفوذ العمال والولاة على تعيين النواب للبرلمان، هو أقل من نفوذهم المستمر، في انتخابات المجالس البلدية والقروية المؤدية إلى مجلس المستشارين.

طغيان الولاة والعمال موروث متوارث مربوط بدواوين الملوك والسلاطين، لأن العمال والولاة قديما كانوا مرتبطين بهؤلاء الملوك والسلاطين، لكن إذا كان السلاطين عبر فترات التاريخ أقطابا منتصرين، فكثير منهم خربت قصورهم بأخطاء الولاة والعمال، وقد يقول قائل بأن العمال والولاة في عهد الملك محمد السادس، دخلوا في سوق راسهم فإن حملة الظهائر – حتى في عهد بن كيران – والمديرين والمخنتين، حتى إذا كانوا مسؤولين عن تخريب المؤسسات التي هم مسؤولون عنها، فإنهم يبقون بعيدا عن الحساب، وهل هناك أعظم من المنصور الذهبي، الفاتح العظيم، محقق المعجزات الكبرى، والذي في عهده، ونتيجة عدم مراقبته لأعمال ولاته، تسبب في سقوط الدولة السعدية التي بدأت ملامح سقوطها في عهد انتصاراته وفتوحاته.

وفي شهر رمضان هذا، شهر التوبة، ونحن نودعه ومراجعة للسوابق وتصليح للمختل من الأعمال، يليق بنا أن ننبذ السياسة ونستجير بالله من آثامها وكذبها، ونفاقها ووسوستها… ولنستلهم من طيبات ما خلفه تراثنا، دروسا وعبرا نتسلح بالمفيد منها.

ومادام شهر رمضان شهر السمر والسهر، والذكر والتذكر، فسأحاول الانتقال بقراء موضوعي هذا إلى استنباط الممتع الجميل من تراثنا، والتذكير بالشيق الممتع من مخلفات ماضينا ولتطمئنوا.. فستجدون في الماضي المسرود، ما يواسيكم عن الحاضر المنهوك الممدود، الذي نقف أمام الموصد من أبوابه والمسدود.

وباسم الله مجراها ومرساها، ننطلق من عهد زاه مشرق مشرف ذهبي… ننطلق من أيام السلطان السعدي العظيم، “المنصور الذهبي”، الرجل الذي نسمع عنه الكثير ونعرف عنه القليل. وكم هو جميل، الكلام عن الملوك العظام.

عندما توفي هذا الملك الجبار، كتب عنه المؤرخون، ((أنه كان حسن السياسة حازما يقظا مشاورا، يستقبل كل يوم أربعاء، مستشاريه في الديوان. ويسمح للناس بالدخول إلى القصر لتبليغ شكاويهم))، وكانت عظمة “المنصور الذهبي” كامنة في فلسفته المكتوبة، والتي اختصرها المؤرخون بنقلهم هذه العبارة عنه: ((كل شيء يقبل التأخير، إلا مجاوبة العمال عن رسائلهم)). وسنرى أن العمال هم أسباب محنة المنصور.

ويروي المؤرخ “الفشتالي” أن مستشاري “المنصور” كانوا دائما ينتظرون بالباب ـ ويظهر أن عيبه كان ترك الناس ينتظرون ـ فجاء لأحد كتابه خبر حادث وقع لولده، فترك الديوان، وذهب ليرى ابنه وخرج “المنصور” فاستشاط غضبا،

وترك موفدين من طرف السلطان العثماني “مراد”، ينتظرون، فحضر السلطان العثماني حملة عسكرية لمعاقبة “المنصور” على استهانته بمبعوثيه، وقال السلطان “مراد” لمبعوثي “المنصور”: “لو كان لصاحبكم غرض في المسالمة لما ترك أصحابنا بأبوابه كالكلاب، والبادئ أظلم”.

وكان “المنصور الذهبي” يحكم المغرب حتى إلى “تمبوكتو”، في المناطق التي تسمى بالسودان. وجاء يوما وفد من تمبوكتو حاملا هدايا إلى “المنصور” عبارة عن مجموعة من الفيلة، دخلت إلى مراكش في موكب مشهود، وخرج سكان العاصمة جميعا لمشاهدتها.

لولا أن المؤرخين يقولون: “ليت الفيلة لم تدخل المغرب، لأن الذين أحضروها، أحضروا معهم عشبة التبغ، التي مازالت إلى اليوم ويطالب حزب الاستقلال بمحاربتها”.

كان عصر “المنصور” مطبوعا ـ كعصور المغرب كلها ـ بالمتناقضات، ولكنه كان يفرض نفسه وشخصه وعظمته على كل الحالات. ولعل الديمقراطية ولدت في عصره، قبل وصول الفيلة إلى المغرب.

وطبيعي أن الديمقراطية لا تولد إلا في كنف الظلم، فهل كان “المنصور” ظالما، وهو الذي يفتح أبواب بيته للمشتكين كل يوم أربعاء… ويعتني برسائل عمال الأقاليم؟

إنه لا شك في أن الحيرة كانت تنتاب رعاياه، فيحتارون في حكمهم على “المنصور الذهبي”… هل هو المقصر، أم وزراؤه…؟ هل هو الذي يفرض الجبايات ويضيق الخناق على الشعب، لإنجاز مشاريعه.. كمعامل السكر التي بناها بمراكش؟ وقال “الفشتالي” في تاريخه: “كثر السكر حتى لم تكن له قيمة، وكان الرخام يشترى من النصارى بالسكر”.

وهل كان يضيق الخناق على شعبه لبناء “بستيون” فاس قبالة باب الفتوح، وحصن الفتح بالعرائش؟

أم كان يضيق الخناق على شعبه بالجبايات لبناء قصر البديع بمراكش، حيث أقام أول حفل فولكلوري وزع فيه الهدايا على المدعوين، وأغدق عليهم، من مال الشعب طبعا…؟!

إن زخرفة “قصر البديع”، والمبالغة في البذخ الذي رافق افتتاحه، بعد أن ثلّث به إنجازين آخرين، قال عنهما صاحب “نفح الطيب” إنهما “المسرة و”المشتهي”، هي التي أطالت ألسنة الانتقاد حول “المنصور”.

فأمام هذه الإنجازات الفارهة، وما غطاها به المسؤولون عن الإعلام، وكانوا هم الشعراء، من تنويه وتعظيم حمل أحد البوهيميين، وكانوا يسمون البلهاء.. أصحاب اللحي والأزياء المزركشة المرقعة، دخل على “المنصور” بين المدعوين في حفل افتتاح قصر “البديع”، فسأله “المنصور” كيف ترى هذه الدار؟ فأجابه الأبله: “إذا هدمت كانت كدية من التراب”. وغضب “المنصور”.. ولم يرض عن هذا الانتقاد.

ولكن غضب “المنصور” الحقيقي كان ظاهرا للعيان يوما، عندما واجهته امرأة بتعابير مستقاة منذ خمسة قرون، من قواميس حاضرنا.

فعندما انطلق عمال “المنصور”، نهبا وسلبا في الأقاليم، وكانت الرعية تشتكي.. ولا من يسمع شكواها، توترت الأعصاب وأدكنت سماء المغرب الممتد على النصف الشمالي الغربي لإفريقيا، وسجل “اليفرني” في تاريخه هذه الفترة الحرجة في تاريخ “المنصور”. بل هناك من قال إن ظلم العمال وتسلط الحكام في عهد “المنصور”، هو الذي أطاح في ما بعد بقليل، بالدولة السعدية.

يحكي “اليفرني” قصة الظلم والتشكي وتناقضات “المنصور”، في قضية المرأة المتمردة، ويجعل هذه المرأة الدكالية تدخل التاريخ بلسانها، مثلما دخله “المنصور” بمجده.

فقد تعدى أحد عمال “المنصور” على امرأة من دكالة، فأخذ منها أموالها. فجاءت المرأة عند “المنصور” بمراكش تشكو إليه العامل، فلم يكشف عن تظلمها. فخرجت المرأة وكان أولادها ينتظرون بالباب. فقالت لهم على مسمع من حراس “المنصور”: ((انصرفوا يا أبنائي، فقد كنت أظن أن رأس العين صافية فإذا بها مكدرة.. ولذا تكدرت مصارفها)).

هل أخطأت المرأة الدكالية؟ وهل كدرت تاريخ “المنصور الذهبي”، وخدشت صفحة أمجاده البراقة؟ أم أن الذين خدشوا هذه الصفحة الذهبية، هم أولئك العمال الذين كانوا يسرقون شعب “المنصور”.

لقد خلف “المنصور الذهبي” أسطورة بارعة الكمال في عالم السياسة، تناقض الصورة التي أعطتها عنه هذه المرأة الدكالية، وهي أسطورة بالنسبة إلى حاضرنا، ولكنها واقع بالنسبة إلى ماضي “المنصور”.

فقد شاهد أحد علماء فاس، وهو في طريقه إلى مراكش، موكبا من الأسرى المشدودين إلى السلاسل، والسياط على ظهورهم، ووسطهم امرأة تنزف دما من تحتها. فدخل العالم على “المنصور” وأبدى له امتعاضه ـ على طريقة جمعيات حقوق الإنسان ـ فسكت “المنصور” وابتلع غضبه. وعاد العالم إلى الاعتذار بعد أيام، فقال له “المنصور”: ((لولا ما رأيت، ما أمكنك المجيء مع أصحابك مسيرة عشرة أيام في أمن ودعة. فإن أهل المغرب مجانين، مارستانهم هي السلاسل والأغلال)) (نقله صاحب الاستقصا).

ورغم هذا، كان “المنصور” يحب الموسيقى، ويغدق على الموسيقيين، حتى إن أحد القضاة الفاسيين بعد أن خرج من حضرة “المنصور” خاوي الوفاض، قال لرفاقه: “لئن بلغت فاسا لأردَّن أولادي إلى صنعة الموسيقى، فإن صنعة العلم كاسدة”.    BASRI ET OCHEN copie

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

إلى الأعلى
‪Google+‬‏ ‪Google+‬‏